المكتبة الشاملة

دولة الإسلام في الأندلس

فتضرع إلى رولان أن ينفخ في بوقه ليدعو شارلمان إلى نجدته، فأبى رولان، وانقض الجيش المهاجم على مؤخرة الفرنج، ونشبت بينهما عدة معارك هائلة. واستمر رولان يأبى طلب النجدة حتى مزق جيشه ولم يبق منه سوى ستين رجلا، وعندئذ نفخ في بوقه يدعو شارلمان: ثم قتل بقية أصحابه، ولم يبق سوى رولان وأوليفر واثنين آخرين. ولما شعر العرب أن شارلمان سيرتد بجيشه لقتالهم، قرروا الانسحاب. وكان زملاء رولان الثلاثة قد قتلوا، وأثخن رولان نفسه جراحا حتى أشرف على الموت. ولكنه استطاع أن ينفخ في بوقه مرة أخرى قبل أن يموت، وأن يسمع صرخة شارلمان الحربية، وسمع شارلمان صوت البوق على بعد مراحل عديدة. فعاد مسرعا وطارد جيش العدو وسحقه. ودفن الفرنج قتلاهم، وعوقب جانلون الخائن أروع عقاب. وتوفيت ألده، خطيبة رولان حينما علمت بموته ".
هذه هي خلاصة القصة التي ترددها أنشودة رولان الشهيرة. وهي أبعد ما يكون عن وقائع التاريخ الحق. بيد أنها تتخذ مادتها من بعض هذه الوقائع، ومن الذكريات والروايات الشفوية المتناقلة، والأناشيد الحربية المعاصرة. وهي نورمانية الأصل، ظهرت لأول مرة في القرن الحادي عشر، أعني بعد الموقعة بنحو ثلاثة قرون، ودونت أولا في بعض القصص اللاتينية، ثم دونت بالنظم في ملحمة طويلة تبلغ أربعة آلاف بيت بعنوان " أنشودة رولان " Chanson de Roland ولبثت تعتبر مدى عصور من أعظم الآثار الأدبية، ومن روائع القريض الحربي.
وكانت حوادث هذه الموقعة الشهيرة مستقى خصبا لكثير من الكتاب والشعراء، وكانت بالأخص مستقى لقصص الفروسية والملاحم الحماسية المغرقة، التي تملأ فراغا كبيرا في الأدب الفرنجي في العصور الوسطى (1).
ومما يلفت النظر في حوادث الموقعة أن شارلمان، لم يحاول بعد أن أفاق من الصدمة الأولى، أن يعجل بالانتقام لنكبة جيشه ومقتل فرسانه، وأن يعود فيطارد تلك العصابات التي تحدته واجترأت عليه سواء من المسلمين أو البشكنس.
(1) راجع حوادث هذه الموقعة الشهيرة في أخبار مجموعة ص 112 و113، وابن الأثير ج 6 ص 5 و21، وابن خلدون ج 4 ص 124، وراجع أيضا Bouquet ; Vol.V.R.M. Pidal: La Chanson de Roland.Cap. VI.p. 171 - 215;p. 14,26,42. & 208 و Reinaud: ibid: p. 95,96 و Hodgkin: Charles the Great p. 141-152.
[جزء / صفحة]
انتقل
       [الرقم]
انتقل