المكتبة الشاملة

دولة الإسلام في الأندلس

لنا الرواية الإسلامية، إنه سبق إليها سليمان، وتحصن بها، فلما أشرف شارلمان مع حليفه سليمان على سرقسطة، رفض الحسين أن يستقبله، وألفى المدينة محصنة متأهبة للدفاع والمقاومة، فعبر نهر الإيبرو إلى الضفة الأخرى، وقدم إليه سليمان رهائن عدة من الأعيان والأكابر، وفي مقدمتهم ثعلبة بن عبيد قائد عبد الرحمن وكان أسيرا لديه حسبما تقدم. ولكنه لم يستطع أن يفعل شيئا لإقناع الحسين بفتح أبواب سرقسطة، ولم يستطع شارلمان من جهة أخرى الاستيلاء عليها، وردت المدينة المحصورة كل هجماته بشدة (1)، وعجز سليمان أن يحقق شيئا من وعوده في تسليم المدن والحصون الواقعة في تلك المنطقة. ولم يشأ ملك الفرنج أن يخوض في تلك الوهاد والهضاب الصعبة معارك لم يتأهب لخوضها، وارتاب من جهة أخرى في نية سليمان وموقفه، فقبض عليه (2)، وارتد بجيشه نحو الشمال الشرقي في طريق العودة. وكان ذلك في شهر يوليه سنة 778 م (شوال سنة 161هـ).
بيد أن هذه الوقائع ينقصها شىء من الوضوح. ذلك أنه لم تقع بين الفريقين معارك ذات شأن. فهل ارتد ملك الفرنج من تلقاء نفسه، أم اضطر مرغماً إلى الارتداد لبواعث وأسباب لا نعلمها؟.
يقول الأستاذ بيدال " إن الانسحاب لا شك فيه. ولكن فشل حملة الملك الفرنجي لا تفسرها لنا هجمات المحصورين. إذ كيف يرتد هذان الجيشان الفرنجيان اللذان يضمان هذه الجموع من جند بريتانيا ونوستريا وبافاريا ولومبارديا؟ وكيف يرتد كارل وهو في عنفوان قوته بهذه السهولة؟ كيف يرتد هذا العاهل القوي وجيشه العظيم ما يزال سليما لم يمس، دون أن يخضع الحسين، ودون أن يفتتح أواسط إسبانيا؟ " (3).
إن الروايات اللاتينية تحاول أن تلقى الضوء على ذلك الغموض؛ فيقول لنا " أبدال " السالف الذكر، إن شارلمان قدر أنه قد يجد نفسه وحيدا في قلب شعب معاد، مع صعوبة التموين لجيشه العظيم. بيد أنه يوجد تعليل آخر أقوى وأوضح، تقدمه إلينا رواية لاتينية أخرى في نصها الآتي: " إن السكسون المارقين حينما
(1) أخبار مجموعة ص 113.
(2) ابن الأثير ج 6 ص 5.
(3) R.M.Pidal: ibid.; p 188
[جزء / صفحة]
انتقل
       [الرقم]
انتقل